جان لوئيس بوركهارت

19

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

أنهما كانا معي في غاية التلطف والأدب حين زرتهما . وأنفقت اليوم كله وبعض الغد في مفاوضات مع الحاكم للحصول على خبير يصحبنى للجنوب . وكانت الهدية التي قدمتها له ، وهي صابون « * » وبن وطربوشان أحمران ( وكلها تساوى نحو ستين قرشا ) ، خليقة بالقبول لو قدمت في وقت آخر ، ولكن الهدايا التي قدمها إليه مستر لي ومستر سملت بلغ ثمنها نحو ألف قرش ، مع أنهما لم يتجاوزا في رحلتهما إبريم . قال لي الحاكم « وها أنت تعطيني أشياء تافهة مع أنك تريد أن تتجاوزهما إلى الشلال الثاني » . قلت صحيح أن هديتي لا تناسب مكانته ، ولا توفيه حقه ، ولكنها في الواقع فوق طاقتى ، وأنني كنت إخالنى مميزا على صاحبي بما أحمل من خطابات توصية من حاكم إسنا . وأخيرا بلغت منه ما أريد بفضل مصادفة من المصادفات الطيبة ، فقد نمى إلى أن قافلة كبرى قامت من المحس فاصدة إسنا ، وأن جانبا كبيرا من السلع التي تحملها ملك لكاشف نفسه ، ينوى بيعه بأسيوط والقاهرة . فذهبت إليه ، وخلوت به ، وقلت له إنني لو عدت لإسنا وعلم واليها بما لقى خطابه الذي زودنى به من إغفال تجلى في منعى من تجاوز الشلال الثاني مع أنه طلب السماح لي بذلك صراحة ، لوجد في هذا مسوغا لفرض غرامة على القافلة حين وصولها إلى إسنا ، أو لمنعها من المضي إلى أسيوط . ووجم كاشف طويلا ثم قال لي « مهما تكن هويتك ، وسواء أكنت إنجليزيا كصاحبيك اللذين سبقاك أم جاسوسا للباشا ، فلن أردك خائبا . فامض في رحلتك إن شئت ، ولكنك لن تكون في مأمن بعد تجاوزك سكوت . فلتكن هذه البلدة نهاية رحلتك ومنها تعود » . فطلبت إليه أن يزودنى بخطاب توصية لسكوت ، ففعل دون تردد . كذلك جاءونى بخبير من البدو . واشتريت زادا لرحلتى من الذرة والتمر ، وغادرت الدر قبيل ظهر 2 مارس ، بعد أن فشلت محاولات المملوكين لعرقلة سفري . ويجدر بي قبل أن أمضى في وصف رحلتي أن أقف هنيهة لأصف في شئ من التفصيل الأهالي والنواحي التي اجتزتها حتى الآن منذ قمت من أسوان .

--> ( * ) الصابون هدية يقدرها الناس تقديرا كبيرا في جميع هذه النواحي ، لأنه لا يصنع بمصر ، ما خلا نوعا رديئا جدا تصنعه أسيوط . وهو يستورد من الشام ، وعلى الأخص فلسطين . ويساوى رطل الصابون في إسنا شلنا ونصفا .